في شمال حلب.. حركة إعمار تعيد الحياة لمهنٍ عطلتها الحرب

في شمال حلب.. حركة إعمار تعيد الحياة لمهنٍ عطلتها الحرب

عدد القراء: 277

نذير الخطيب – ريف حلب الشمالي


يرصف أبو أحمد (40 عاماً) قطع القرميد الواحدة تلو الأخرى، ويلصقها ببعضها البعض بواسطة طبقة رقيقة من الإسمنت، وهو منهمك في إتمام عمله يقول:" هذه مهنتي الأصلية، مهنتي التي تعلمتها منذ صغري، سعادتي بالعودة إليها لا تصفها الكلمات".
مع تصاعد الحرب في سوريا، اضطر أبو أحمد صيف عام 2012، الى تغيير مهنته من عامل بناء، إلى بائع خضروات. تدريجياً بدأ يتضاءل الطلب على ورشات البناء تدريجياً حتى انعدام نهائياً، يقول أبو أحمد في هذا الخصوص: " مع بدء حركة النزوح وتصاعد القصف على ريف حلب، انعدمت حركة الاعمار.. شهور طويلة بقيت خلالها عاطلاً على العمل، أصرف من المدخرات التي كانت في حوزتي، ثم قررت بيع الخضروات في غرفة داخل منزلي تطلّ على الشارع. تراجع دخلي كثيراً في ذلك الوقت، لم أشكل استثناءً، بل كان حالي كحال الكثيرين".
المشهد الذي يصفه أبو أحمد بدأ بالتبدل قبل بضع سنوات، يروي معلم البناء الكفء "في صيف عام 2016 بدأت حركة الاعمار في الريف الشمالي لحلب تتحسن تدريجاً، وأنا أشرف في الوقت الراهن على ورشة من خمسة عمال، لا نكاد أن ننهي عملنا، حتى يُرسل في طلبنا للعمل في مكان آخر".

مشاريع سكنية وأسواق صغيرة
تشهد منطقة "درع الفرات" الواقعة في ريف حلب الشمالي، والممتدة من بلدة جرابلس حتى بلدة اعزاز حركة عمرانيّة ملحوظة، الأمر الذي سمح بعودة الحياة إلى العديد من المهن، وانتعاش حركة التجارة المرتبطة بالإعمار في المنطقة.
تخضع منطقة "درع الفرات" لسيطرة فصائل المعارضة المدعومة من أنقرة، ويطلق عليها هذا الاسم نسبة لاسم العملية العسكرية التركّية التي انطلقت في أغسطس/آب 2016 ضد تنظيم "داعش"، وافضت إلى سيطرة مجموعات من المعارضة السورية على هذه المنطقة، حيث يعيش نحو مليون ونصف المليون شخص.


حركة الإعمار في ريف حلب الشمالي لا تقتصر على التوسعة أو إصلاح الأبنية المتضررة من الحرب، وإنما تنشط حركة بناء لمساكن ومشاريع عقارية جديدة في المنطقة. لا توجد دراسات أو إحصاءات رسمية تبيّن حجم حركة الإعمار في المنطقة، ومقارنتها مع السنوات الماضية أو المناطق الأخرى، إلا أنه في جولة على مدن وبلدات أعزاز والباب ومارع وجرابلس يمكن للمتجول أن يلحظ حركة الإعمار النشطة بشكل لافت، حيث بدأ مستثمرون بإنشاء مشاريع سكنيّة وأسواق صغيرة، مثل المدينة الصناعية في مدينة الباب، وسوقي الهال والحميدية في مارع، والعديد من الأبنية السكنية في اعزاز.
المتابع لحركة الاعمار هذه سيجد نفسه أمام تساؤلات كثيرة، منها لماذا عادت حركة الإعمار إلى منطقة "درع الفرات"؟، ومن يموّل ورش الإعمار هذه؟ والإجابة تكمن في أن عوامل كثيرة دفعت المتعهدين والمؤسسات إلى الشروع في الإعمار، يعدّ عامل الأمان من أهمها، كون المنطقة قريبة من الحدود التركية وبعيدة عن مناطق النزاع والقصف، إضافة إلى ازدياد أعداد النازحين فيها من المناطق الأخرى.
على الصعيد الاقتصادي تكمن أهمية هذه المشاريع من خلال المردود المالي الذي يكسبه المتعهد، إضافة إلى أنها تسهم في إنعاش اقتصاد المنطقة، وتوفر فرص عمل لكثير من العمال.


علاء الخطاب (38 عاماً) متعهد بناء سابق، يموّل مشروعاً لبناء ثلاثة أبنية في بلدة إعزاز شمال حلب، وقد اصطحبنا في جولة للطلاع على مشروعه، وشدد على أن "الاستقرار الذي تشهده منطقة "درع الفرات" وغياب القصف عنها، بالإضافة لتحسن الواقع الخدماتي فيها، شجع المستثمرين، وأنا واحد منهم، للمعاودة الاستثمار في المشاريع العقارية، لكن رغم ذلك فإن المخاوف لم تزول تماماً". يتألف كل بناء من مشروع خطاب من ثلاثة طبقات، كل طابق مقسم على أربع شقق سكنية، أما الطوابق الأرضية فقد تم تصميمها لتصبح محال تجارية. يلفت خطاب إن نحو نصف الشقق السكنية قد بيعت قبل الانتهاء من كسوها وتجهيزها، وقال:" شهدنا طلباً متزايداً على شراء الشقق السكنية في منطقة درع الفرات، لاسيما مع ازدياد أعداد النازحين إليها، لكن الطلب تراجع في الشهور الأخيرة بسبب حالة الركود الاقتصادي التي تعيشها البلاد مع انهيار سعر صرف الليرة السورية".

مأوى النازحين
تحول ريف حلب الشمالي خلال السنوات الثلاث الماضية إلى مأوى للنازحين والمهجرين من مختلف المناطق السورية، كأهالي من غوطة دمشق الشرقية، وريف حمص الشمالي، إذ سيطرت قوات النظام على مناطقهم وخرجوا إلى ريف حلب الشمالي وفق اتفاقات تسوية منفصلة. شكلت منطقة درع الفرات ملاذاً أكثر أمناً للمعارضين لنظام الأسد، والفارين من ملاحقة أجهزته الأمنية، وبفضل التفاهمات الروسية – التركيّة فإن المنطقة حُيّدت عن العمليات العسكرية، بما في ذلك عمليات القصف الجوي أو المدفعي. من جهة أخرى، فإن الدعم الخدماتي الذي تقدمه أنقرة ، أسهم في تعزيز الشعور بالاستقرار لدى سكان منطقة "درع الفرات". مشاريع كثيرة تقوم لتحسين شروك الحياة، مثل تعبيد الطرقات الرئيسية، وافتتاح خمسة مشافي، وترميم المدارس ودور العبادة، وتأسيس جهاز للشرطة، كل ذلك جعل السكان والمستثمرين يشعرون بالارتياح لصرف أموالهم على عميات الإعمار.

 


ثمة أمر مهم يشكل عاملاً بارزاً في انتعاش حركة الإعمار، إذ أن أسعار وتكاليف البناء في ريف حلب الشمالي متدنية إذا ما تمت مقارنتها مع تكاليف البناء من أيّ منطقة أخرى في سوريا. فريف حلب قريب من المعابر التجارية مع تركيا، ما يجعل تكاليف استيراد مواد البناء مثل الإسمنت والحديد أقل مما هو عليه في مناطق سيطرة النظام السوري، أو قوات سوريا الديمقراطية.
في المخططين المرفقين يبدو بشكل واضح، كيف أن أسعار مواد البناء أقل تكلفة في مناطق المعارضة، عن مناطق سيطرة النظام أو قوات سوريا الديمقراطية.
 


 
الشراء والدفع بالتقسيط
يلجأ عدد كبير من المواطنين، لا سيما النازحين والمهجرين من بقية المحافظات السورية، إلى شراء المنازل بالتقسيط، بدلًا من الاعتماد على الايجار الذي تعادل تكلفته الشهرية قيمة دفعات البيع بالتقسيط.
رامز التلاوي (35)، أب لثلاثة أطفال، وهو نازح من مدينة حمص، يقيم في مدينة الباب، في ريف حلب الشمالي. يرى تلاوي أن الحرب في سوريا قد تطول إلى حين الوصول إلى تفاهمات سياسية، لذا فقد أقدم على شراء شقة سكنية، كبديل عن دفع الإيجار سنوياً.
تتراوح أسعار الشقة الواحدة ما بين 8500 و16 آلاف دولار أمريكي، فتبلغ قيمة القسط الشهري 200 دولار، تضاف إلى الدفعة الأولى التي تتراوح قيمتها ما بين 2500 وأربعة آلاف دولار، بحسب مساحة الشقة.
قال تلاوي:" اشتريت شقة سكنية بسعر 14 ألف دولار بالتقسيط، قد تمضي السنين دون أن أتمكن من العودة إلى منزلي في حمص".


تاريخ النشر: الأحد 16 شباط/فبراير 2020 - 11:56 مساءً


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي مركز حلب الإعلامي وإنما تعبر عن رأي أصحابها
comments powered by Disqus