آراء

هل فقد أردوغان البوصلة ؟

منذ اندلاع المظاهرات السلمية في سوريا في اذار من عام 2011 انقسم العالم ما بين مؤيد لمطالب الشعب السوري في الحرية و الكرامة و اسقاط النظام وبين معارض لهذه المطالب و أخذاً موقفاً علنياً مؤيداً للنظام وداعماً له في المحافل الدولية.

 

تركيا الدولة الجارة لسوريا, والتي طالما اتسمت العلاقات بين الدولتين و الشعبين بالودّية, خصوصاً لما في ذلك من خاصية لدى الشعبين السوري و التركي و صلة القربى والنسب عند بعض العوائل في كلا الدولتين, عند اندلاع المظاهرات السلمية المطالبة بإسقاط النظام قبل 4 سنوات من الان, كان آنذاك رجب طيب أردوغان يشغل منصب رئيس الوزراء التركي, ورغم العلاقة الطيبة التي كانت تجمعه مع رأس النظام في سوريا "بشار الأسد" إلاّ أنّه اختار الوقوف بجانب الشعب السوري, ومطالبه المحقة في الحرية و الكرامة, وسعى إلى مساعدة الشعب السوري في المحافل الدولية, وقدم كل سبل التسهيلات للمدنيين الهاربين من القصف للدخول إلى أراضي الدولة التركية, حتى وصف في أكثر من مناسبة النازحين السوريين بـ"المهاجرين" و الشعب التركي "بالأنصار", حيث يعيش في تركيا الان ما يقارب الثلاثة مليون سوري معظمهم لا يملكون جوازات سفر.

 

وطالما تغنى أردوغان في المحافل الدولية بدعمه و دعم شعبه للسوريين و استقبالهم على أراضيه منفقاً ملايين الدولارات من خزينة دولته دون أن يتلقى مساعدات بحجم المستوى من الدول الأخرى, وهكذا كان الحال حتى بداية شهر اذار من عام 2014 حين أصدرت الحكومة التركية قراراً تغلق بموجبه جميع المعابر الحدودية البرية بين البلدين, و اتخاذ تدابير أمنية كبيرة على الحدود البرية التي تقدر مسافتها ب 800 كيلوا متر مربع, مقيداً بذلك حركة السوريين, فمنهم الفار من الأوضاع الصعبة في البلاد, ومنهم التاجر , ومنهم المسافر عبر تركيا.

 

محللون رأوا أنذاك أنّ إغلاق الحدود هو مسألة مؤقتة لتدابير أمنية بسبب الانتخابات التي كانت مزمعة في صيف 2015, فيما صرح مسؤولون أتراك أنّ سبب إغلاق المعابر الحدودية مع سوريا هو كشف المخابرات التركية عن خلايا إرهابية تابعة لنظام الأسد, تهدف إلى زعزعة استقرار تركيا في فترة الانتخابات, مؤكدين جميعاً أنّ الأمر مؤقت حتى الانتهاء من التدابير الأمنية اللازمة, حيث كانت تركيا تعتمد سياسة الحدود المفتوحة بين البلدين ضمن اتفاقية عقدها أردوغان مع نظام الأسد أنذاك تسمع بموجبها لمواطني البلدين بالدخول إلى سوريا و تركيا دون الحاجة للحصول على تأشيرة دخول "فيزا".

 

ومع مرور الوقت بدأ يتضح أنّ السياسة التركية بدأت تأخذ منحى اخر بما يخص السوريين المتواجدين على أراضيها أو الراغبين بالدخول إلى الأراضي التركية, منعت الحكومة التركية السوريين حاملي جوازات السفر الدخول إلى أرضيها, واتخذت إجراءات مشددة حول الراغبين بالعبور أصولاً إلى أوروبا عبر أراضيها, كما أنها كانت تسهل بشكل كبير عودة السوريين إلى الأراضي السورية شريطة تسليم بطاقة اللاجئ و التنازل عنها قبل دخول الأراضي السورية أو مغادرة الأراضي التركية إلى أي دولة أخرى, وأخيراً كان قراراً من وزارة الخارجية التركية شكّل صدمة كبيرة لدى السوريين وذلك بفرض الحكومة التركية تأشيرة دخول على حاملي الجواز السوري وفق معاملة معقدة سيضطر من خلالها حامل الجواز السوري التوجه إلى احدى القنصليات التركية المتواجدة في الدولة التي يقيم بها للحصول على تأشيرة دخول, خلافاً لمواطني الدول الذين يحتاجون تأشيرة دخول للأراضي التركية و التي يمكن الحصول عليها من المطار مباشرة دون الحاجة لمراجعة القنصلية التركية في الدولة التي يقيم بها.

 

إجراءات تركية قيدت حركة السوريين الذين طالما كانوا يتغنون بتركيا حكومة و شعباً كونها الدولة الوحيدة التي كانت تقدم لهم التسهيلات, ما طرح عدة تساؤلات حول ماهية السياسية التركية القادمة اتجاه ثورة الشعب السوري, أو اتجاه السوريين أنفسهم, خاصة فيما راه محللون أنّ هذا القرار ينبع من إرادة تركية حقيقية من أجل إرضاء الاتحاد الأوروبي و التي تحلم تركيا للدخول فيه من زمن بعيد.

 

هل تاجرت الحكومة التركية كل تلك الفترة بقضية الشعب السوري من أجل الضغط على أوروبا لقبول تركيا دولة عضوة في الاتحاد ضمن دول الشنغن؟ خاصةً أنّ رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلوا كان قد قدّم عريضة للاتحاد الأوروبي حول الشروط التي يجب توفرها في تركيا لقبولها في الاتحاد من ضمنها فرض تأشيرة دخول على المواطنين السوريين, أم أنّ أردوغان أضاع البوصلة بعد مرور 4 سنوات من عمر الثورة السورية و أصبح يبحث عن مخرج من قضية لم يتمكن طوال 4 سنوات أن يحقق وعداً واحداً من الوعود التي قطعها من أجل خدمتها, أو يوقف النظام عند الخطوط الحمراء التي رسمها؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى