آراء

هجمات باريس و جواز سفر سوري خارق

لم تمض ساعات قليلة عقب تعرض العاصمة الفرنسية باريس لعدة هجمات متتالية أسفرت عن مقتل ما يقارب الـ140 شخصاً و جرح 300 اخرين, حتى كشفت أجهزة الأمن الفرنسية عن هوية ثلاثة متورطين في الهجمات من أصل سبعة بينهم سوريون حسب ما أفادت أجهزة الأمن الفرنسية لوسائل الإعلام.

 

ربما في مثل هذه الهجمات ينبغي أن يتمتع المهاجمون بقدر عالي من الذكاء و الهدوء و الانتباه من أجل إتمام العملية بنجاح, فالمهاجمون الذين هم مدركون تماماً أنهم ذاهبون إلى الموت لا يمكن أن يدور في مخيلتهم اصطحاب وثائق ثبوتية تثبت هوياتهم, كهوية شخصية أو جواز سفر أو شيء من هذا القبيل, وهذا ما كشفت عنه أجهزة الأمن الفرنسية بعد عثورها على جواز سفر سوري بقرب جثة أحد المهاجمين, ما أثار سخرية الكثيرين و شكوك أخرين حول قصة جواز السفر, إلا إذا كان المهاجمون يحتاجون لجوازات سفرهم لكي تمكّنهم من العبور إلى الجنة!!!

 

من جهة أخرى فإنّ المهاجمون كانوا يرتدون أحزمة ناسفة بالإضافة لسلاح "الكلاشينكوف" اليدوي, وكانوا قد فجّروا أنفسهم في الأماكن التي اعتبروها أهدافاً لهم, فكيف انشطرت أجسادهم و تحولت إلى أشلاء وقطع لحم مبعثرة فيما بقي جوزا السفر على حاله, حيث بثّت وسائل إعلام فرنسية صورةً للصفحة الأولى للجواز المزعوم تظهر شخصاً يدعى " أحمد المحمد" 25 عاماً من مواليد مدينة إدلب السورية, حيث كانت الصورة واضحة تماماً دون أي علامات تشير إلى أنّ حامل هذا الجواز قد تعرض لحادث ما, فيما جاءت ردود فعل السوريين حول هذا الخبر في مواقع التواصل الاجتماعي بين ساخر ومتهكم.

وجهة نظر

ربما وجدت الحكومات الأوروبية نفسها في مأزق أمام شعوبها والمعارضة الداخلية خلال أزمة اللجوء التي تجتاح أوروبا, حيث يشكل السوريين ما يقارب الـ35 بالمئة من مجمل هؤلاء اللاجئين, فكان لابدّ من استثمار هذه الحادثة لردع الشعوب الأوروبية المطالبة بمزيد من التسهيلات لعبور اللاجئين, و إسكات ألسنة الأحزاب المعارضة للحكومات التي رفضت أساساً استقبال لاجئين سوريين على أراضيها, فكان فكرة جواز السفر الحديدي من شأنها أن تغضب الجمهور الأوروبي بل وتدفعه لمهاجمة بيوت السوريين في فرنسا, و إحراق مخيماتهم في فرنسا و السويد و خروج مظاهرات في عدة عواصم أوروبية طالبت بطرد اللاجئين بل وصل الأمر في فرنسا إلى المطالبة بطرد المسلمين من بلادهم.

 

أكثر من مليوني لاجئ في تركيا معظمهم لا يملكون جواز سفر

من منطلق الهجمات الفرنسية كان لابدّ للمجتمع الدولي تذكر أن أكثر من مليوني لاجئ سوري يعيشون في تركيا على مختلف توجهاتهم الفكرية, فالدخول إلى تركيا أمر كان سهلاً نسبياً, إمّا عبر المعابر الرسميّة, أو عبر الحدود التي كانت مفتوحة بشكل جنوني للذين لا يملكون جوازات سفر, فالأحرى بالسوري الذي يرغب بفعل أعمال تفجيرية من شأنها قتل مدنيين أو زعزعت استقرار دولة يعتبرها عدوةً له, أن يفعل ذلك في تركيا التي تعتبر نسبياً أمراً أسهل من فرنسا بكثير, خصوصاً و أن من تبنى هذه التفجيرات "تنظيم الدولة" لم يعتبر تركيا مطلقاً دولة صديقة, بل طالما اعتبرها دولة كافرة عدوة له.

ردود أفعال أوروبية وعربيّة

من خلال البحث التي تم إجراؤه حول هوية صاحب الجواز, تبيّن أنه وصل إلى الحدود اليونانية مع اللاجئين السوريين منذ أكثر من شهر, فيما قالت الغارديان البريطانية, أنّ نفس الجواز تم تسجيله باسم شخصين داعيةً إلى التحقيق بشكل أكبر عن ماهية الجواز السوري في موقع التفجيرات, بينما أولى ردود الأفعال كانت لألمانيا التي تحتضن على أرضيها الاف اللاجئين السوريين بتجميد العمل باتفاقية الشينغن في الفترة الحالية و عدم السماح لأي مواطن غير ألماني بدخول الأراضي الألمانية بدون "فيزا" تأشيرة دخول, فيما استغلت الحكومة البولندية أحداث باريس لتعلن تراجعها عما تعهدت به بمنح اللجوء لبضع ألاف من السوريين, أما الدول العربية فأبدت أسفها و حزنها الشديد و تضامنها الغير محدود مع الحكومة الفرنسية و الشعب الفرنسي, بيد أنّ الشعب السوري ينتظر منذ 5 سنوات من يحابيه كالمحاباة التي وجدتها باريس من العالم الأوروبي و العربي خلال 24 ساعة من الهجمات.

 

مأساة باريس كانت أقرب إلى القلب!

رغم هول الموقف و الليلة المحزنة التي عاشتها العاصمة الفرنسية باريس فإن عدد الضحايا الذين سقطوا في باريس هم 140 قتيلاً, رقم ربما يكون السوريون قد اعتادوا عليه في حياتهم اليومية, فعلى محيط الخارطة السورية كل يوم يسقط مثل هذا العدد منذ 5 سنوات و حتى هذه اللحظة, بينما كان العالم أجمع يكتفي بالعبارات الرومانسية و الكلام المعسول, فلم يبق سلاح إلا وتمّ تجريبه على أشلاء الشعب السوري المكلوم, فقد عرف أطفال سوريا ما هو الكيماوي و عرف شبابها ما هو الذبح, وعرفت نساؤها ما هو البرميل الذي وقفت دول العالم قاطبةً عاجزةً عن منع هذا النظام من استخدام هذا السلاح الذي فتك بالسوريين و أزهق أرواح الالاف و شرّد الملايين من بيوتهم و دمّر البنية التحتية للبلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى