آراء

حلب الشرقية " أهوال يوم القيامة"

من عاش في مدينة حلب أو ولد فيها، يعرف جيداً معنى كلمة "المدينة التي لا تنام" بالرجوع 4 أعوام إلى الوراء وقبل أن يصب حاكم دمشق حمم مدافعه وطائراته على حلب، كانت الشهباء مدينةً لا تعرف النوم، فقد عشق أهليها السهر، كل شخص ترعرع في هذه المدينة عشق كل حارة فيها، وكل حديقة كان يجلس فيها أيام الصيف الجميل يتسامر مع أصدقائه.

 

حلب اليوم أيضاً لا تنام، ولكن للكلام هنا معنى اخر، كيف تنام العيون ولا تدري هل ستبصر نور يوم اخر أم لا؟ الطائرات الحربية والمروحية تتسابق للوصول إلى سماء الأحياء المحاصرة، كل منها يحمل ما تيسر له من القنابل ليلقيها على رؤوس الامنيين فيها، لا حرمة لوقت أو لشيخ أم امرأة أو صبي، الكل مصيره واحد وهو الموت، ذنبهم الوحيد أنهم يعيشون في مناطق خاضعة لسيطرة الثوار على أقل التقدير، وذنبهم الأكبر أنهم نادوا بحريتهم ونادوا بإسقاط النظام يوماً ما، فكان العقاب قاسياً، لسان حال حاكم دمشق " لن أسقط قبل أن تسقطوا جميعاً".

 

ربما ينظر البعض بعين الغرابة لتوصيف ما يحدث في حلب بهولٍ من أهوال يوم القيامة، حلب عرفت كل أنواع الأسلحة التي تمّ استخدامها سابقاً والتي جُرّبت فيها الان، القنابل الفراغية، العنقودية، الفوسفورية، البراميل المتفجرة، القنابل الارتجاجية، صواريخ سكود، صواريخ أرض-أرض، قذائف المدفعية، راجمات الصواريخ، صواريخ الفيل، وغير ذلك الكثير مما لم تسعفني الذاكرة على ذكره، والمشهد يتكرر يومياً منذ 4 سنوات، الحصّة الصباحية تكون لوجبة دسمة من قذائف المدفعية والدبابات وراجمات الصواريخ تستهدف الأحياء المحاصرة في مدينة حلب، قبل أن يتجهز الطيران الحربي والمروحي اللذان يأتيان من مدينة حماه ومن معامل الدفاع في مدينة حلب وكذلك مطار حميميم العسكري في مدينة اللاذقية، الأهالي مستيقظين منذ الصباح الباكر حتماً، يتم التنبيه إلى دخول الطيران إلى أجواء المدينة، تبدأ الناس بمراقبة حركة الطيران في الجو، يجري الطيران المروحي حركة دائرية فوق المكان الذي يريد استهدافه، ثم يرمي البراميل المتفجرة الواحد تلو الاخر، يبدأ الناس في الصياح في اللهجة الحلبية "شلف، شلف" ويتراكضون هنا وهناك أملاً في النجاة قبل وصوله إلى الأرض، يزن البرميل المتفجر 1000 كغ وأحياناً أكثر، ولا يحتاج سوى دقيقة للوصول إلى الأرض، وهو ذات الزمن الذي يملكه من يراه لكي ينجو بنفسه لو استطاع، هنا ترى الناس كأنهم سكارى وليسوا بسكارى، يتراكضون ويتمايلون، يبحثون عن طوق النجاة، يصل البرميل إلى الأرض وينفجر، يرتقي شهداء وسقط جرحى، تصل الكوادر الإسعافية والدفاع المدني، لكن الأمر لا ينتهي هنا، الطيران الحربي قد وصل للتو، يبدأ باستهداف ذات المكان، يدركون تماماً أن المنطقة المستهدفة ستصبح عرضة للتجمع، يريدون قتل أكثر عدد ممكن من الناس، ثم تستهدف المنطقة بشكل عشوائي بقذائف المدفعية وراجمات الصواريخ حتى لا يجرأ أحد على الاقتراب منها أبداً.

 

في كل ساعة وفي كل حي يتكرر نفس المشهد في حلب، ويدرك النظام تماماً أنه معني بقتل كل شخص يعيش في الأحياء المحاصرة الخاضعة للثوار، لأنه يدرك تماماً أنه ليس ثمة منزل في تلك الأحياء إلا وصورة شهيد معلقة على حائط غرفة الجلوس فيها، يدرك تماماً أنه إن لم يقض بشكل كامل على كل حلبي في الأحياء الشرقية، أنه مهما طال الزمان سيخرج جيل و أجيال جدد، ستنادي بالحرية مرة أخرى، وستنادي بالثأر للشهيد، ربما لأبيه، ربما لأخيه أو لأمه، حاله كحال فرعون مصر حين كان يقتل الأطفال تحسباً لثورة مستقبلية ضده، ولكن يدرك أهالي حلب والسوريون عموماً، رغم خذلان العرب، ورغم خذلان المجتمع الدولي لهم، أنهم منتصرون لامحالة، فلن يدوم الظلم ولن يعيش الظالم أبد الدهر، ولو كان كذلك لم قتل هتلر نفسه، ولما امن فرغون لم غرق باليّم، هنا الكل بنظر وينتظر بشغف، أي مصير ستلقاه أيها الأسد؟!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى